محمد بن جرير الطبري
78
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي في قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها قال : نجعلها في أقفائها فتمشي على أعقابها القهقرى . حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية بنحوه ، إلا أنه قال : طمسها أن يردها على أقفائها . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها قال : نحول وجوهها قبل ظهورها . وقال آخرون : معنى ذلك من قبل أن نعمي قوما عن الحق ، فنردها على أدبارها في الضلالة والكفر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنردها عن الصراط الحق ، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها قال : في الضلالة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً عن صراط الحق ، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها في الضلالة . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك قراءة عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال الحسن : نَطْمِسَ وُجُوهاً يقول : نطمسها عن الحق ، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها على ضلالتها . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلى قوله : كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ قال : نزلت في مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع . أما أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها يقول : فنعميها عن الحق ، ونرجعها كفارا . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها يعني : أن نردهم عن الهدى والبصيرة ، فقد ردهم على أدبارهم فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به . وقال آخرون : معنى ذلك : من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها وناحيتهم التي هم بها ، فنردها على أدبارها من حيث جاءوا منه بدءا من الشام . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها قال : كان أبي زيد يقول : إلى الشام . وقال آخرون : معنى ذلك : من قبل أن نطمس وجوها فنمحو أثارها ونسويها ، فنردها على أدبارها بأن نجعل الوجوه منابت الشعر ، كما وجوه القردة منابت للشعر ، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم ، فقالوا : إذا أنبت الشعر في وجوههم ، فقد ردها على أدبارها بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسويها كالأقفاء ، فنردها على أدبارها ، فنجعل أبصارها في أدبارها ، يعني بذلك : فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه ، فيكون معناه : فنحول الوجوه أقفاء ، والأقفاء وجوها ، فيمشون القهقرى ، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الآية ، بأسه وسطوته ، وتعجيل عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به ، ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارا . وإذ كان ذلك كذلك ، فبين فساد قول من قال : تأويل ذلك أن نعميها عن الحق فنردها في الضلالة ، فما وجه رد من هو في الضلالة فيها ؟ وإنما يرد في الشيء من كان خارجا منه ، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال : يرده فيه . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان صحيحا أن الله قد تهدد الذين ذكرهم في هذه الآية برده وجوههم على أدبارهم ، كان بينا فساد تأويل من قال : معنى ذلك يهددهم بردهم في ضلالتهم . وأما الذين قالوا : معنى ذلك : من قبل أن نجعل